في ذكرى زفاف فوزية وبهلوي.. الإمبراطورة التي أتعستها أحلام الخلافة

38 ‎مشاهدات Leave a comment
في ذكرى زفاف فوزية وبهلوي.. الإمبراطورة التي أتعستها أحلام الخلافة

محمود صديق-القاهرة

كانت أختا لآخر ملك يحكم مصر، وتزوجت من آخر وزير حربية قبل ثورة يوليو/تموز 1952، مثلما كانت زوجة لآخر شاه حكم إيران الذي تزوجت به في حفل أسطوري منذ ثمانين عاما.

إنها الأميرة فوزية ابنة الملك فؤاد الأول، وشقيقة الملك فاروق آخر الملوك من أسرة محمد علي، والتي وصفها شارل ديغول في مذكراته بـ”المرأة التي ترك الرب توقيعه عليها”، وقال عنها رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل “امرأة صاحبة جمال نادر غامض يجبرك على أن تتمعن فيه بلا ملل ولا كلل، إنها منحوتة فائقة الجمال”.

وقال عنها رضا بهلوي شاه إيران ووالد زوجها “عندما أردنا البحث لولي العهد عن زوجة، زودنا سفراء إيران في دول العالم بصور لأميرات ونبيلات وأرستقراطيات من شتى بقاع الأرض، ولكننا ذهلنا عندما رأينا صور الأميرة المصرية فوزية شقيقة الملك فاروق من جمالها المبهر، فكنت أنا ووالدة ولي العهد ننظر لصورها مطولا، ولا نمل من النظر إليها ونتساءل فيما بيننا معقول؟ هل يوجد هذا الجمال فعلا على أرض الواقع؟”.

دوافع الزواج
ووجد الملك فاروق الذي كان يداعبه حلم الخلافة الإسلامية وقتها، في طلب الزواج من ولي عهد دولة إسلامية حتى لو كانت تدين بمذهب مختلف فرصة سانحة للسير في تحقيق الحلم، وذلل شيخ الأزهر الشيخ محمود المراغي -حسبما جاء في كتاب الملك فاروق والخلافة الإسلامية للمؤلفة أمل فهمي- عقبة الخلاف المذهبي، فالعروس سنية والعريس شيعي بالقول “ليس في الإسلام ما يمنع”.

ورصدت فهمي في كتابها المكانة التي احتلها التيار الإسلامي داخل القصر في عهد فاروق بغية جلب شعبية بالشارع على حساب أبرز خصومه السياسيين وقتها حزب الوفد الليبرالي، وحاول التقرب بكل الطرق إلى الدول الإسلامية ووجدت توجهاته تلك تأييدا واسعا من أحزاب وصحف كبيرة.

وتحمس رئيس الديوان الملكي علي ماهر، واعترف بأن المسألة سياسية ودينية، فبالإضافة إلى تأكيد زعامة مصر على البلاد الإسلامية، فإن الزواج يوحد مذهبي الشيعة والسنة.

وفاتح فاروق شقيقته في الأمر فأجابته “إن كنت تريد مني الزواج فليكن”، وأخبرها بخوفه من إجبارها على زوج لا تميل له فابتسمت قائلة “لا أعرفه ولا أعرف غيره، ولكني أعتمد على رأيك وأعمل به”، فقبلها وأبلغ الشاه والد العريس بالأمر.

زفاف أسطوري
وكان الزفاف الأسطوري بالقاهرة يوم 15 مارس/آذار 1939، ارتدت فيه العروس حليا من تصميم الصائغ الفرنسي الشهير فان كليف، واختارت الملكة نازلي الأم لنفسها تاجا مرصعا بـ719 ألماسة.

سار موكب العروسين من القصر إلى سرادق الزفاف مؤلفا من عشرين فتاة يحملن الورود ومتوجات الرؤوس بملابس بيضاء، وغنت بالحفل المطربة الشهيرة أم كلثوم -بعد أن أجبرتها الملكة نازلي الأم- نشيد الزفة “مبروك لسموها وسموه”، الذي ألفه خصيصا الشاعر بديع خيري ولحّنه رياض السنباطي، ورقصت بالزفاف أشهر راقصة في مصر وقتها بديعة مصابني بصحبة ست من زميلاتها. 

واقتصرت الدعوة للعرس على السيدات أعضاء البيت المالك وقرينات الوزراء وبنات العائلات الكريمة.

وتلاه حفل آخر بطهران لا يقل فخامة عن نظيره المصري يوم 18 أبريل/نيسان، وأضاءت الألعاب النارية سماء العاصمة الإيرانية، وأقيم استعراض عسكري لجنود مصريين ومارينز من فرنسا ومشاة من بريطانيا وكذلك جنود أتراك وألمان ومن إيطاليا.

لم يمر عامان على الزواج حتى أصبحت الأميرة فوزية ملكة لإيران بعد أطاحت قوى الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بمحمد رضا خوفا من ميله لهتلر ودول المحور، ونفته لجنوب أفريقيا، ونصبت نجله محمد زوج الأميرة فوزية شاها مكانه.

وعاشت فوزية حياتها ملكةً وأنجبت ابنتها شاهيناز، وذاع صيتها، وأصبحت صورها تملأ المجلات الأوروبية، وتختار نجمة غلاف، إلى أن قرر شقيقها فاروق فجأة إعادتها إلى مصر وتطليقها، وطلب من مستشاره الصحفي كريم ثابت وضع خطة لذلك، بعد أن بلغته أنباء أن فوزية تعيسة في زواجها.

خطة خطف الإمبراطورة
وروى ثابت في كتابه “طلاق إمبراطورة” خطة إعادتها من طهران باستئذان الشاه في زيارة فوزية لمصر وتهنئة شقيقتها فايزة بمناسبة زواجها، وبعد الموافقة كان الملك فاروق في طليعة مستقبلي الإمبراطورة وحاشيتها الإيرانية يوم 17 مايو/أيار 1945، وعزف السلامان المصري والإيراني، وأكد ثابت أنه لم يكن هناك أي دليل على تعاسة أو حتى خلاف بين الإمبراطور وزوجته.

وأقامت في قصر الضيافة بالإسكندرية حتى خطف فاروق –حسب تأكيد ثابت-فوزية من القصر، ونقلها لقصر المنتزه بعد أن نامت الحاشية، وسحب الخدم والحرس المصري، وعندما أبلغت السفارة الإيرانية بالقاهرة الشاه بالأمر أبدى دهشته الشديدة فهو يحب زوجته، وزوجته تحبه متسائلا ما الذي تغير؟!

ودخل الشاه في مفاوضات طويلة مع سفير مصر بطهران حتى تم الاتفاق على الطلاق، ولكن فاروق طلب منه بشكل أخوي إرجاء إعلان الطلاق حتى يخبره.

سر الطلاق
وفسر مقربون من القصر في ذلك الوقت إصرار فاروق على تطليق شقيقته فوزية برغبته في طلاق زوجته الملكة فريدة، وأراد ألا يكون الوحيد في الدولة الإسلامية  الذي يقدم على تلك الخطوة، وكي يبقي فوزية بجواره لتقوم بمهام زوجته الملكية.

ويدعم هذا التفسير ما جاء في كتاب لطيفة سالم “فاروق وسقوط الملكية في مصر” من مماطلة فاروق لبهلوي في إعلان الطلاق لمدة تجاوزت ثلاث سنوات حتى أعلن طلاق فوزية من الشاه وفريدة من فاروق معا يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1948.

وتسبب ذلك في توتر في العلاقات السياسية بين القاهرة وطهران لم ينته إلا بعد أن أزاحت ثورة يوليو/تموز 1952 الملك فاروق كآخر ملوك حكموا مصر فعليا من أسرة محمد علي.

وتزوجت فوزية بعدها بعام بآخر وزير حربية في عهد الأسرة العلوية إسماعيل شيرين، وأنجبا حسين وسيناء، وعندما أخرج الضباط الأحرار فاروق من مصر، خرج شيرين مع زوجته ليعيشا بجنيف، ثم عادت في أواخر حياتها لتعيش بالإسكندرية حتى توفت في الثاني من يوليو/تموز 2013.

الطريف أن شارعا قد سمي باسمها في بلدها مصر بمنطقة المعادي التي كانت تسكن بها، وغُيّر بعد يوليو/تموز 1952، بينما ظل اسم مدينة كاملة سميت باسمها (Fawziabad) بعد طلاقها من الشاه، بل حتى بعد قيام الثورة الإسلامية وانتهاء حكم الشاه للأبد دون تغيير.

المصدر : الجزيرة